أخبار عاجلة
محافظ البنك المركزي يتوجه إلى فرنسا -
رئيس سلوفينيا يغادر القاهرة -
رئيس السكك الحديد يكشف تفاصيل حريق قطار المنصورة -
شحن 381 كيلو ذهب من منجم السكرى إلى كندا لتنقيتها -
القبض على راكب حاول تهريب 113 قرصا مخدرا إلى تونس -
اليوم.. الحكم على سائق أتوبيس فى تهمة قتل 10 أشخاص -

بالصور.. قصر «الخديو» تحاصره القبور

كان ياما كان.. يُحكى أن رجلاً من أعيان المحروسة.. وأثريائها.. «يعنى نقدر نقول شهبندر.. أو شيخ صنعة».. إنه الشيخ على الوقاد.. لف ودار فى بلاد الله.. ورجع لحبيبته.. دق بابها عاشق ترابها.. وجاب معه من خير الأرض أشجار وطيور وحيوانات نادرة، ودهب. وشارك صديقه خديو مصر الأعظم «إسماعيل» تجارة وشطارة.. وصنع الشيخ من أشجار البامبو تحفًا فنية أبهرت كل من رأها.. ولما جار الزمان بمولانا الخديو. بيع قصر جده إبراهيم باشا فى المزاد. وعز على رفيق العمر أن يرى حوائط وأبواب القصر العالى تذهب إلى من لا يستحق فاشترى منها قدر استطاعته، ونقلها إلى صحراء المماليك قبالة القلعة. وعاش الشيخ علي الوقاد مع أسرته الكبيرة بين أطلال القصر يعلم أبناءه وأحفاده أصول صناعة البامبو وعشق الوطن.

ومرت سنوات وسنوات.. وحفظ أحفاد الوقاد درس الجد، وصانوا العهد وتمسكوا بالأرض.. حيث التقيناهم..

أخيراً وسط المبانى والبوابات القديمة والأسوار توجد حجرات مبنية حديثًا موصولة بسلالم مرتفعة إلى حد كبير.

أخيرًا سمعنا أصوات طيور تبدو غير مألوفة تنقر الأرض وتنقى الحبوب.. أوز وبط وديوك رومى وبعض كراسى البامبو والترابيزات «الهاند ميد» تنم عن حياة.. من الداخل ظهرت فتاة جميلة صبية تحمل ملامح مصراوية صرفة.. تحدثت إلينا بهدوء شديد، ولكنه يشبه أحاديث أميرات الحواديت.. لم تفاجأ ولم تبد انزعاجًا من الغرباء الذين جذبهم المكان فدخلوا ولم يجدوا من يستأذنونه فاعتذرنا بداية..

أنا نورهان الوقاد، حفيدة «علي الوقاد»، مالك هذا المكان من مئات السنين، أعيش هنا مع أبى وأمى وأخواتى.. نرفض أن نغادره إلى بيوت وڤيلات فى القاهرة الجديدة ومدينة نصر وغيرهما، فأحفاد الوقاد كثيرون جدًا، ولنا فروع فى كل محافظات مصر، ولكننا نتمسك بأرض جدنا.

قلت: ولكنها غير مؤهلة بشكل كامل ومهملة. فما الذى يجعلكم تتمسكون بالبقاء فيها؟

روحنا فيها حاجة حلوة، ونحن مثل أبينا فهو طبيب لكنه يعشق صناعة البامبو، ويعمل بيديه مشغولات رائعة وورث عن جدى عشق كل ما هو قيم ونادر، وهذه الدجاجات من الهند وهناك ماعز نادر جدًا وثمين. وهذه النباتات والأشجار عتيقة ونادرة جدًا. ولدينا أشجار كافور عمرها مئات السنين رائحتها تملأ المكان.. أشارت إلى شجرة جميز مثمرة وقالت: بها سائل لبنى يشفى من الأمراض، وهناك من يأتون من أجله، وهذه شجرة نبق ثماره تمنع الحسد وأذى الجن، كما سمعنا، وبالفعل هناك أناس يأتون ويطلبون منا أخذ بعض من أوراقه وثماره لهذا الغرض.

وهنا أتى أخوها محمد وتوأمها طالب الثانوى، وسرعان ما لحق بهما ابن عمهما الثالث. وهنا سألتها: «احكيلى الأول إيه قصة القصر العجيب ده وإيه سر إهماله بهذا الشكل رغم روعته»؟

جلسنا فى حديقة القصر وسط الطيور والأشجار النادرة فيما تسحرنا روائح الكافور، قالت نورهان: جدى المرحوم الشيخ على الوقاد كان صديقاً للخديو إسماعيل وشريكه فى تجارة البامبو لأن الخديو إسماعيل كان عنده حس فنى راقٍ جداً، ويقدر الفنانين والصناع المبدعين مثل جدى. لكن الخديو إسماعيل افتقر وباعه أملاكه علشان الديون.

وفى عام 1900 قررت الحكومة أن تهدم القصر الذى ورثه عن أبيه فى جاردن سيتى وتُقسِّم أراضيه الشاسعة إلى شوارع وبنايات، وعرضت محتوياته للبيع، فتقدم جدى «على الوقاد» وطلب شراء واجهة القصر! وبالفعل تم تقطيع الواجهة ونقلها ثم إعادة تركيبها فى منطقة الجبانات المقابلة للقلعة والمسماة «صحراء المماليك»، وكانت رغبة جدى أن يلملم أسرته الكبيرة جداً فى مكان واسع، وبعيد فزوجاته تعددن وكان عنده 17 ولداً وثلاث بنات وبنى مدرسة جنب القصر لتعليم أولاده الصنعة والعلوم وجلب لهم الأساتذة من جميع المجالات لكن المدرسة صارت الآن دار مناسبات. وبنى أيضاً جامعاً ـ وأشارت إليه لكنه لم يعش حتى يكتمل بناؤه فدفن فيه.

وأضافت نورهان: هذا الحوض الضخم هو حوض استحمام الخديو إسماعيل، وأشار عليه الأطباء بأن يملأوه باللبن وينام فيه ليشفى من مرض جلدى نادر أصابه.

وأشار محمد إلى بقايا السيارة القديمة الصدئة قائلاً: «تخص الخديو أيضاً وهى من أوائل السيارات الفورد فى العالم إذ تعود لعام 1930 حمراء اللون لكنها صدئة. وأضافت نورهان: البيت مساحته شاسعة وطلبنا مساعدة الحكومة فى الحفاظ على هذه الآثار، وقامت وزارة الآثار بتسجيله كأثر عام 1999، حيث بناه إبراهيم باشا ابن محمد على باشا، وقد شهد عقد أولى جلسات مجلس الشورى بقيادته (أو مجلس المشورة كما كان يسمى سنة 1829)، ثم ورث الخديو إسماعيل القصر عن أبيه، وتنازل عنه لوالدته (الوالدة باشا). وما نعرفه عن أجدادنا وأبينا أنه كان فى حى جاردن سيتى الحالى، وعندما قررت الحكومة هدم القصر، أتاحت بيع أجزائه إلى أفراد، فقام السيد على الوقاد بشراء بوابات القصر وبانيو من المرمر وأجزاء أخرى من القصر وقام بتركيبها فى المكان الحالى.

وهو مسجل بقرار مجلس إدارة فى 31/5/1999 فى شارع السلطان أحمد ويتبع منطقة آثار شرق القاهرة القصر العالى ولما كان فى جاردن سيتى كان محاطاً بسور وبه حديقة بها أكشاك وزرعت بشتى أنواع الأشجار سواء للزينة أو أشجار الفواكه وخاصة شجر المانجو ومكوناً من مبنيين وتم الانتهاء من بنائه سنة 1820م واشتهر بالقصر العالى، كما سمى أيضاً «قصر المشورة» لأن إبراهيم باشا عقد فيه أول مجلس للمشورة سنة 1829م.

بعد وفاة إبراهيم باشا أصبح القصر ملكًا للحكومة ثم وهبه الوالى عباس حلمى الأول إلى الأمير إسماعيل (الخديو إسماعيل لاحقا)، حينما أصبح إسماعيل باشا خديو مصر وهبه إلى «الوالدة باشا» «خوشيار هانم» والدته بعد أن رممه وحفر على واجهته أول حرفين من اسمه ولقبه ورزق فى هذا القصر بابنه محمد توفيق (الخديوى توفيق).

اعتنت «الوالدة باشا» بهذا القصر اعتناءً خاصاً وقامت أيضا بترميمه سنة 1863م بعد أن تلفت بعض جوانبه جراء فيضان النيل، واشترت له الأثاث الفاخر والتحف الثمينة والاشجار النادرة.

سنة 1880م استردت الحكومة القصر بعد نفى الخديو إسماعيل من الوالدة باشا لتسديد ديون الخديو إسماعيل وباعته الحكومة إلى الدائرة السنية التى أقامت مزاداً لبيع أثاث القصر وتحفه سنة 1900 تنافس على شرائها الأعيان والأثرياء لندرتها ومن أشهرهم كان محمد بك المنشاوى، الذى اشترى العديد من أشجار القصر النادرة ليستزرعها فى عزبته فى الغربية. 

فى سنة 1906 اشترت شركة شارل ماكس القصر وهى شركة استثمارية فقامت بهدمه لإنشاء حى جاردن سيتى الحديث وتقسيم مساحة القصر إلى أراضٍ لبناء الڤلل والقصور الحديثة وعرضت ما تبقى من القصر وأشجاره للبيع فاشترى أبوابه وواجهته جدنا «الوقادى».. فانتقل القصر من غرب القاهرة على شاطئ النيل إلى شرقها عند سفح المقطم وهو ما يعرف بصحراء المماليك.

وجدنا الشيخ على الوقاد كان شيخاً معمراً عاش ما يقرب من 120 سنة وكان يستورد أعواد الخيزران للبوليس كما أنه كان من كبار تجار البهارات والبخور التى كان يستوردها من الهند ويبيعها فى وكالة الوقاد بجوار المشهد الحسينى والتى ما زالت موجودة تحمل اسمه.

كما أن الشيخ على الوقاد يعتبر رائد صناعة البامبو فى مصر حين استجلب أعواد البامبو من الهند واستقدم عمالة فرنسية لتصنيعه وافتتح مصنعاً بشارع الملكة نازلى (رمسيس حاليا) بجوار مسجد أولاد عنان (الفتح حالياً)، ولكن فى سنة 1920 أصر العمال الفرنسيون على زيادة رواتبهم بشكل مبالغ فيه هددت المصنع بالإغلاق ورفض الشيخ أن يلبى طلباتهم فتركوه ورحلوا لكنه أصر على أن يكمل العمل بالمصنع وأوكل المهمّة إلى ابنه محمد.

يقول «محمد»، حفيد الوقاد وتوأم نورهان: جدنا الذى كان قد أتقن الصنعة وبدأ بتمرين عمالة مصرية حلت محل الفرنسيين، وما زالت تلك المنطقة فى شارع رمسيس تشتهر بصناعة البامبو، وأشهر المحال بها كان أصحابها من تلامذة محمد على الوقاد.

اشترى الشيخ واجهة القصر وأبوابه حين عرض بالمزاد واشترى معه حوض مرمر مصنوعًا من قطعة واحدة من الرخام، ورحايا من الجرانيت سنة 1906 م كانت مما تبقى من مقتنيات القصر بمبلغ 700 ج ذهبى، واستخدم عمالًا إيطاليين وأتراكًا ومصريين لتفكيك الواجهة الحجرية والأبواب وترقيمها وتم تحميلها على عربات الكارو لمنزله بصحراء المماليك، استغرقت عملية الفك والتركيب 10 سنوات كاملة.. ليصبح المدخل الرئيس إلى بيته الفخيم وحديقته الشاسعة.

ورغم إهمال الحكومات المتعاقبة لهذا الأثر التحفة، فإنَّ واجهة القصر العالى وأبوابه ما زالت صامدة بفضل أحفاد الوقاد الذين يعون قيمته الفنية والتاريخية، فالبوابات مبنية من حجر الفص النحيت والأبواب من الخشب العزيزى والشبابيك مزينة بواجهات من حديد الخرط وحروف لقب واسم الخديو إسماعيل ترقب من يدخل المكان على يمين الداخل من البوابة يوجد مسجد ومدفن الوقاد الذى تم بناؤه عدا السقف الذى لم يكتمل فى سنة 1942 لكنه تأثر بزلزال 1992 فانهارت بعض أعمدته الرخامية، وفى أحد الأركان توجد الرحايا الجرانيت، وعلى باب الحديقة يوجد الحوض المرمرى بجوار هيكل السيارة الفورد.

وتضيف نورهان: المنزل فى حال شديد البؤس وقد ينهار فى أى لحظة ويصبح أطلالاً.. وتقول:

أصر جدى، رحمة الله عليه، على أن يتم تسجيل المكان كأثر فتقدم بطلب إلى المجلس الأعلى للآثار سنة 1995 ورُفِض الطلب بحجة أنه لا جدوى من تسجيل المكان كأثر ولا أهميه له!! وبعد محاولات استمرت سنين تم تسجيل واجهة القصر والبوابات بقرار إدارى يوم 31 مايو 1999، وفى سنة 2006 تمت سرقة واجهة أحد الشبابيك من الحديد الخرط.

تحدى القصر العالى الزمن وأبى إلا أن يترك جزءاً منه نابضاً بالحياة محاولاً مقاومة الموت والفناء مستمسكاً بتراث أجداده من المصريين الذين يقدرون قيمة الأرض ويتنفسون عبق التاريخ.

من الظلم والإجحاف أن نقول إن قصر المشورة تحول إلى خرابة بسبب الإهمال فروح أهل القصر من الأحفاد تمنحه حياة من نوع آخر. وتمسكهم بالمكان والأشجار والهواء يمثل حائط صد قوياً ضد عوامل الإهمال والتراخى فى حماية كل ما هو أصيل ونادر.. الظلم الحقيقى ليس لأحفاد الوقاد وإنما هو ظلم لهذا البلد وتاريخه وقيمه بتركها دون أدنى دعم أو تقدير.

 

 

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى البرادعي: 6 حقوق عصية لدينا منذ عقود