أخبار عاجلة
زوران ينقذ النصر من كارثة -
مجموعة مصر- مدافع غانا يودع أمم إفريقيا -
ماذا قال زيدان عقب الهزيمة من سيلتا فيجو؟ -
فان جال ينفي خبر اعتزاله -
المقاولون يستضيف أبوكبير اليوم وديا -

«الوفد» تفتح ملف جريمة تحويل «المسافرخانة» إلى «وكر» لتعاطي المخدرات

عندما فتحت الدولة تحقيقًا حول مصير الـ30 مليون جنيه التى أنفقت على عمليات الترميم.. شب حريق التهم «المسافرخانة» دمره تمامًا.. وما زال الفاعل مجهولًا.

العالم كله اعتبر إبادة الآثار جريمة حرب، ونحن فى مصر نبيد الآثار بهدوء وسكينة لم تشهدهما أى ثقافة فى العالم، وعلى مرأى ومسمع من جميع الأطراف -حكومة وشعباً- دون حساب أو عقاب، ودون أن يتدخل مسئول لإنقاذ كنوز تشهد على تاريخنا وهويتنا، فنترك آثارنا فريسة للنهب تارة، وللإهمال تارة أخرى، ليضيع تاريخنا وتمحى ذاكرة الوطن بسبب تراخى مسئول أو إهمال وتواطؤ موظف فى متحف أو حارس أو عامل فى وزارة الآثار.

ولعل جريمة إهمال مبنى «المسافرخانة» دليل مادى واضح على اغتيال تاريخ مصر مع سبق الإصرار والترصد، وهى جريمة متكاملة الأركان تستوجب أن يحاسب عليها كل مسئول تولى الثقافة والآثار منذ عام 1998 وهو تاريخ احتراق المبنى وحتى الآن.

«الوفد» قررت فتح ملف قضية إبادة مبنى «المسافرخانة» لنعرف حكاية هذا القصر منذ إنشائه مروراً بتحويله إلى مزار سياحى ومرسم للعديد من الفنانين، حتى أصبح الآن وكراً لتعاطى المخدرات ومقصداً للكلاب الضالة، فذهبنا فى زيارة «للمسافرخانة» لنرصد بقية تفاصيل الجريمة بالكلمة والصورة.

 وصلنا إلى درب الطبلاوى بالجمالية وهو درب صغير يبدأ ضيقاً، وتتفرع عنه عطفة الطبلاوى، ولا يتسع الدرب إلا عند سراى «المسافرخانة» كأنه يفتح أبوابه للقادمين، ليعود بعدها الدرب ويضيق مرة أخرى حتى ينتهى بتكية الست زكية، وأول ما سيلفت نظرك هناك أنك أمام حادث سرقة للتاريخ مع سبق الإصرار والترصد، فالأرضيات والأعمدة الرخامية منزوعة بالكامل، وما تبقى منها يؤكد أنهم فقط لم يستطيعوا حمله.

أبواب المبنى ليس لها وجود الآن، سوف تدخل الدار من فوق تلال من القمامة والقاذورات لديها القدرة الكاملة على حملك أنت وآخرين دون أن تغرس فيها أقدامكم من فرط كثافتها، هذا إن حالفك الحظ واصطحبك أحد سكان المكان إلى الداخل، حتى يسمح لك جيش الكلاب المتوحشة الرابض أمام الدار بالمرور.

فإذا مررت بسلام ووصلت إلى داخل «المسافرخانة»، سوف تجد أن «حكايات عديدة عن كنوز من الزمن مطمورة تحته، وممرات تحت الأرض وأخشاب لا نظير لها، وكتابات سحرية فوق الجدران مثلما قال «الغيطانى» عن حال القصر والأساطير التى سمعها عنه فى أيام صباه.

على اليمين داخل الدار، ترقد نصف نخلة على الأرض ما زالت تحتفظ بلونها الأخضر الزاهى؛ لتذكرك بأنها تحتمل كل ما يرتكب حولها من نواقص، وإذا ما نظرت إلى الدور الأعلى من مكانك هذا ناحية النخلة، سوف تصيبك الفرحة للحظة برؤية ساقية مياه كاملة التكوين كأنها كانت تضخ المياه والحياة بالأمس فقط.

أما إذا ما اتجهت إلى الشمال من المكان ستجد على الأرض بقايا نافورة ما زالت شاهدة على عصر ذهبى فى فن الفسيفساء، وكذلك شاهداً على سارقى التاريخ وأصحابه.

أكثر ما سوف يفزعك فى المكان هو كم «السرنجات» الملقاة على وجه الأرض والتى لم تطمسها الأقدام ولم يغير شفافيتها التراب، مما يؤكد أن من استخدموها ربما كانوا ما زالوا على مقربة من المكان، بعدها بخطوات سوف يصدمك مشهد لمنديل ورقى يحمل دماً طازجاً، لا مجال للشك أن بين طياته فيرس «سى» أو إيدز، فنبتعد أنا وزميلى المصور خشية عدوى تنتظر أول من سيمر بجانبها، زجاجات الكحول وبعض الأدوية الفارغة وأشرطة أقراص تشى بأنها استخدمت جرعة واحدة فى كل مكان.

محاولة الصعود إلى الدورين الثانى والثالث لم تكن بالمهمة المستحيلة، فالسلالم والجدران تكاد تكون مهدمة، لكنها ما زالت حية، لا تبخل على من أتى إليها من بعيد، فتودعه بعضاً من أسرارها، وتخبرنا أن هذه هى الغرف العلوية التى ولد فيها الخديو إسماعيل.

قابلتنا الست «أم حسن» والتى تسكن عطفة الطبلاوى، لكن البيت القديم الذى تسكنه الست «أم حسن» أهداها نافذة تطل على درب الطبلاوى كنوع من رفاهية العيش، تقضى فيها بعضاَ من وقتها اليومى، تتلقى وتلقى السلام على كل من يمر عليها، سألتنا ببشاشة، عايزين مين يا ولاد؟ أخبرناها عايزين حد عنده معلومات عن «المسافرخانة»، فقالت: هشام ابن أخويا ساكن معايا هنا فى البيت، وكان المسئول عن حماية المسافرخانة، أبوه الله يرحمه كان هو اللى بيقطع التذاكر للسياح، بس هشام خرج الصبح يشوف رزقه، الحال وقف فى الحارة من ساعة الحريق، والله السياح مكنوش بيتقطعوا عن حارتنا دى أبداً، دلوقتى زى ما أنتم شايفين؛ كلاب زبالة وعيال مش متربية.

وفى نهاية جولتنا ودعنا أطلال «المسافرخانة» بنظرة رثاء وترحمنا على الأديب الكبير جمال الغيطانى الذى نشأ فى درب الطبلاوى، وقال عنه فى كتابه «استعادة المسافرخانة» كان يضارع قصر الحمرا بإسبانيا وإيوان كسرى بفارس وطوب قابى سراى بإسطنبول.

وكى نعلم حجم الجريمة التى تمت فى حق هذا البناء علينا أن نعرف أن هذا الأثر التاريخى الإسلامى النادر يعود إلى أكثر من خمسمائة عام، وبالتحديد إلى عام 1779 الذى بدأ البناء فيه، واستغرق ما يقرب من عشر سنوات للانتهاء منه فى سنة 1789م، أما بانيه فقد كان شاه بندر التجار محمود محرم الفيومى الذى أنشأ مسجداً باسمه على ناصية شارع المسمط، وبعد هذا التاريخ بقليل حوله محمد على إلى مضيفة مخصصة لاستقبال كبار زوار مصر من دول العالم لفترة طويلة، ونال هذا الأثر الفريد اهتماماً خاصاً من الدولة العلوية، حتى إنه شهد بأحد غرفه العلوية ميلاد الخديو إسماعيل فى 22 يناير سنة 1829، إذ إن والده، إبراهيم باشا، كان اشترى المنزل وأقام فيه هو وأسرته، حيث قضى الخديو إسماعيل السنوات الثمانى الأولى من عمره فى الدار، ثم بعد ذلك بسنوات عديدة تحول إلى أحد مقار إقامة ضيوف العائلة الحاكمة، فصار اسمه «المسافرخانة».

وحتى هذا التاريخ كان القصر يحمل الكثير من النماذج الفنية والمعمارية المبهرة من أرابيسك ورخام وفسيفساء وزجاج ملون بشكل يتسق مع ارتفاعه الكبير الذى كان يبلغ ‏22‏ متراً، كما كان يحتوى على أكبر مشربية من الطراز الإسلامى على مستوى العالم، ودخل اهتمام الدولة عام 1897 عندما سجلته لجنة الآثار العربية وتم ترميمه لأول مرة عام 1928.

«المسافرخانة» قبل احتراقه كان يتكون من ثلاثة طوابق كما يوضح الدكتور أبو الحمد فرغلى فى كتابه «الدليل الموجوز لأهم الآثار الإسلامية والقبطية فى القاهرة»، وثلاثة أبواب؛ اثنان فى حارة «المسمط»، أحدهما الباب الرئيسى والثالث فى حارة «الطبلاوى»، ويؤدى الباب الرئيسى إلى دركاة تفضى إلى فناء كبير مكشوف، توجد على يمينه قاعة تضم إيوانين ودورقاعة.

وفى الجهة الغربية للفناء باب يؤدى إلى سلم يحاذيه باب آخر يفضى إلى فضاء كان حديقة المنزل، وتليه غرف للدار، ومن الجهة القبلية يوجد التختبوش وهو صالة مفتوحة بأعمدته الرخامية البديعة.

ولم يخضع «المسافرخانة» لعملية ترميم متكاملة منذ إنشائه سوى فى العام 1969، فى إطار الاحتفال بمرور ألف سنة على تأسيس القاهرة، وطُرح مشروع جديد لترميمه فى 1985، إلا أنه تعثر لأسباب مالية، وأجريت محاولات لإحياء المشروع نفسه بعد التصدعات الخطيرة التى أصابت جدران المبنى من جراء زلزال 1992.

بدأت جريمة إبادة «المسافرخانة» فى عام 1997 حيث تم تخصيص ميزانية تقدر بحوالى 30 مليون جنيه، لترميم القصر من قبل اليونيسكو، ويبدو أنه تم التلاعب بهذه الميزانية وسرقتها، وعندما قرر الجهاز المركزى للمحاسبات إرسال لجنة هندسية لتعيين حالة القصر وفتح تحقيق حول مصير هذه الأموال، شب حريق فى المبنى عام 1998 واستمر عدة أيام حتى تم تدمير القصر بالكامل وما زال الفاعل مجهولاً حتى الآن، وبعدها أطلق مسئولو الآثار تصريحات للشو فقط، ذهبت كلها أدراج الرياح، حيث أكد الدكتور زاهى حواس أمين عام المجلس الأعلى للآثار فى ذلك الوقت إنه لا يمكن السكوت على وضع هذا القصر أكثر من ذلك، خاصة بعد وصول الحال به إلى هذه الدرجة من الإهمال، وقال إن المجلس وضع ترميم قصر «المسافرخانة» على قائمة أولويات المجلس، حيث إن العمل على ترميم القصر سيبدأ مع السنة المالية الجديدة للمجلس وهو ما لم يحدث حتى كتابة هذه السطور.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى صدام دستورى في البرلمان بسبب "تيران وصنافير"