أخبار عاجلة
نصف مليون جنيه لتغطية ترعة الزيتون بقليوب -

حكايات من زمن الوالى..الروزنامجى.. بوغوص باشا

حكايات من زمن الوالى..الروزنامجى.. بوغوص باشا
حكايات من زمن الوالى..الروزنامجى.. بوغوص باشا

جاء إلى مصر قبل ولاية محمد على وتوثقت صلته بالباشا حتى صار وزيراً للمالية والخارجية

كان الوحيد المسموح له بالسحب من الخزانة العامة.. وحين مات لم يجدوا فى بيته سوى 149 قطعة ذهبية من فئة الـ5 قروش

لم يتقاض راتباً عن وظيفته.. وحين قدَّر له عباس راتباً شهرياً أصابه القهر ومات

الباشا يوبِّخ قائد حامية الإسكندرية لعدم إقامة جنازة عسكرية له.. ويأمر بإعادة دفنه وتكريمه

 

وقف مبعوث الوالى يقرأ أمام بوغوص الأمر الصادر إليه...

«خطابا إلى افتخار أمراء الملة المسيحية ونخبة كبراء الطائفة العيسوية، مدير التجارة المصرية والأمور الأفرنجية «بوغوص بك»، بإحالة أمور المبيعات المصرية بخارج الحكومة لعهدته وبالإحسان عليه برتبة «الميرلوا» مكافأة له على تمشيته المواد المحالة لعهدته بمحوذ الاستقامة، باذلاً جهده ودرايته فى خدمته، ويؤكد عليه برؤية ذلك حسب التعريفة التى أعطيت له، وبصرف المصاريف الضرورية لبعض المواد المستعجلة بلا استئذان، وتقديم كشف بما يصرف أسبوعياً، وبأنه يؤمل منه رؤيته على ما يحال عليه، ومنه، إبراز المآثر والصداقة بحسن الخدمة، وبتقديم دفاتر الحسابات أولاً بأول إلى الخزينة، ولذا لزم إصدار الأمر إليه للعمل بموجبه والتحاشى من مخاطبته».

تنهّد بوغوص وأطلق زفرة أسى وارتياح وقد استدعى أياماً عصيبة، اضطرته للتخفى أسابيع طويلة عن عيون الوالى وبصّاصيه، هروباً من حكم بالإعدام أصدره الوالى عقب زيارة تفقد فيها ميناء دمياط الذى كان يشرف على إدارته باغوص بعد 5 سنوات من تولّيه حكم مصر، ولم يرض الوالى عن حساباته، لكن لسبب ما آوى الشخص الذى كان منوطاً به تنفيذ الحكم بباغوص فى منزل مهجور مخالفاً أمر الوالى، وحين زار محمد على ميناء رشيد وجده أكثر سوءاً من دمياط، ما جعله يندم على إصداره أمراً بإعدام باغوص وأخذ يردد وسط مرافقيه: لو كان باغوص حياً لوجد حلولاً للمشكلات الإدارية والمالية التى تواجهها رشيد.

فى هذه اللحظة ارتمى الشخص الذى أوكل إليه إعدام باغوص تحت قدمى الوالى يسترحمه ويخبره أن باغوص لم يعدم، وأن بإمكانه إحضاره للمثول بين يدى مولانا، فألغى الوالى أمر الإعدام وأعاده لممارسة مهامه مسئولاً عن تجارة مصر مع دول العالم.

يستدعى بوغوص هذه الأيام ويتذكر كيف أنه بعد هذه الحادثة كان كلما دعى لمقابلة الوالى تلى صلاته الأخيرة.

لكنه يعرف الآن أن مكانته لدى الباشا هى التى مكنته من استقدام عدد من أبناء جلدته من الأرمن للعمل فى خدمته، وأن تتضمن بعثته التعليمية عام 1826 خمسة منهم تخصص أحدهم وهو يوسف حكيكيان فى الهندسة، ويوسف أفندى فى الزراعة، وثلاثة آخرين فى الإدارة، كما ضمت بعثة الأنجال عام 1846 ستة من الأرمن، وهو ما دفع كثيرين منهم إلى قمة الجهاز الإدارى للدولة طوال القرن التاسع عشر، خصوصاً فى المجالات التى تختص بالتجارة والشئون الخارجية لمعرفتهم باللغات وإجادتهم اللغة التركية، حتى بات يعرف بالديوان الأرمنى، وبقيت وظيفة ترجمان الباشا ونظارة الخارجية حكراً على الأرمن.

والحقيقة أن علاقة بوغوص يوسفيان الذى ولد فى أزمير عام 1768 بمصر كانت سابقة على ولاية محمد على، فقد جاء إلى مصر لأول مرة عام 1791 وعمل بالتجارة ما أتاح له فرصة التنقل بين ربوع المحروسة ومعرفة أحوالها وطبائع ناسها، واستأجر جمرك رشيد قبل أن يعود إلى أزمير مرة أخرى عام 1798، وحين عاد إلى مصر بعد عامين عمل مترجماً لدى خورشيد باشا الذى ثار عليه المصريون حتى ولاية محمد على فى 1805، واستعان به محمد على أيضاً كمترجم، وآثر هو الانتقال للإسكندرية واستأجر جمركها من الوالى مقابل 2500 كيسة لمدة 5 سنين، واشترط عليه الوالى أن يسدد المبلغ كاملاً إذا حدث عجز فى الإيرادات، وأن يتقاسم معه الربح إذا زاد على المتفق عليه.

وكان إيلاء المسيحيين أمور البلاد المالية أمراً لافت لدى الولاة المصريين منذ عصور المماليك، خصوصاً على بك الكبير صاحب المشروع الأول للاستقلال بمصر عن الدولة العثمانية، أولاً لأنهم كانوا بارعين فى أمور التجارة والمسماة من ناحيته، ولأنهم سيطروا على حركة التجارة والتصدير فى مصر خلال سنوات قليلة من ناحية ثانية، وقد بدأت مسيرتهم منذ تدفق الشوام من اتباع المذهب الملكانى إلى مصر فى الربع الأول من القرن الثامن عشر، وبرأى بعض المؤرخين فإن هؤلاء قدموا إلى مصر هرباً من اضطهاد مذهبهم فى الشام من جانب الكنيسة الأرثوذكسية اليونانية، ويعتقد آخرون أنهم جاءوا بغرض التجارة، فقد كان معظم المهاجرين تجاراً نزلوا فى ميناءى دمياط ورشيد واستقروا بهما، وسيطروا على التجارة هناك وأزاحوا التجار المسلمين عن مواقعهم، وكان بينهم مغاربة وأتراك وشوام أيضاً، كما سيطروا على سوق التصدير وهو ما أقلق التجار الأوروبيين وخصوصاً الفرنسيين، بعدما سيطر التجار الشوام على سوق المنسوجات الفرنسية.

يقول «ريمون»: بنهاية القرن، كان أكثر من نصف تركات أثرياء التجار تخص شواماً مسيحيين، وكان الشوام هم من اخترعوا للبكوات المماليك وسائل جديدة لابتزاز الأهالى بالمكوس والضرائب، وقد عيَّن على بك الكبير عدداً منهم لفرض ضرائب جديدة فى الجمارك، ربما لأنه لم يكن يثق فى العلاقة بين موظفى الجمارك من اليهود والانكشارية.

وبشكل تلقائى، عقد على بك تحالفاً مع التجار الشوام المسيحيين بهدف استبعاد التجار المسلمين، وكان على بك يعتقد أن السيطرة على الشوام المسيحيين ستكون أسهل لأنهم أقلية، ما يمكنه من السيطرة على مالية البلاد.

وما أن أصبح هؤلاء مسيطرين على الجمارك حتى أمكنهم السيطرة على التجارة، فقد كان ممكناً لرئيس الجمارك أن يفرض غرامات على التجار كيفما شاء، وفرضوا سيطرتهم على تجارة البحر الأحمر التى كانت بحوزة التجار الوطنيين من المسلمين، بالتحالف مع البكوات المماليك.

وكانت زراعة الأرز بصفته محصولاً للتصدير (نقدياً) مجالاً للصراع بين التجار المسلمين والشوام المسيحيين، هذا الصراع تلخصه قصة يرويها «الجبرتى» وقعت أحداثها لتاجر بدمياط عام 1768 يدعى الحاج عمر الطرابلسى، وهو شامى مسلم، أقام بمدينة دمياط فترة طويلة، وقد تعرَّض للإهانة من قبل تاجر مسيحي شامى، فرفع الحاج عمر تقريراً بالحادث إلى شيخ الجامع الأزهر «الشيخ الحفنى» وإلى الشيخ حسن الجبرتى، وأصدر الأخير فتوى بضرورة حرق «اللَّعان» -التاجر المسيحى- حتى الموت، فهرب التاجر المسيحى إلى القاهرة خوفاً على حياته وطلباً للعون من إخوانه فى الدين.

يقول الجبرتى: بمعونتهم، وبتقديم كثير من الرشاوى، وصلت إلى حد رشوة شيخ الأزهر نفسه، ثم قلب القضية رأساً على عقب.

ويضيف: بعد أيام استولى على بك الكبير على السلطة، وفى أيام ارتفع قدر النصارى بعد أن علا اسم كاتبيه المعلم رزق والمعلم إبراهيم الجوهرى، وتآمرا الاثنان على نفس الحاج مقيداً فى الأغلال ونهبوا حوانيته ومخازنه فى دمياط، وعندما مات على بك سعى الحاج عمر للعودة إلى مصر، لكن وقف دون عودته كاتبا محمد بك أبو الدهب المسيحيان أيضاً المعلم إبراهيم الجمال والمعلم يوسف البيطار.

وشيئاً فشيئاً، صار جانب كبير من التجارة بأيدى الشوام المسيحيين الذين سعوا إلى توطيد صلاتهم بتجارة أوروبا وخصوصاً فرنسا، بعكس التجار الشوام أو الوطنيين المسلمين الذين كانوا يؤثرون عليهم ا لتجارة مع الدولة العثمانية.

وسنلاحظ دائماً فى يوميات الجبرتى تخيراً ضد من يسميهم «المخالفين للملة» من الأقباط واليهود، وهذا يعود -ربما- إلى طبيعة تكوينه الثقافى وكونه ابناً لأحد مشايخ الأزهر، وهو أمر لم ينفرد به الجبرتى وحده وإنما كان سمة مميزة لحقبة زمنية شملت العامة وأبناء الطبقة الوسطى ممن تلقوا تعليمهم فى الأزهر الشريف وكانت المؤسسة التعليمية الوحيدة آنذاك.

 

الروزنامجى

يقول الجبرتى:

فى يوم الأحد 1223هجرية، نودى على المخالفين للملة من الأقباط والأروام بأن يلزموا زيهم الأزرق والأسود، ولا يلبسون العمائم البيض لأنهم خرجوا عن الحد فى كل شىء، ويتعممون بالشيلان والكشمير الملونة والغالية الثمن ويركبون الرهوانات والبغال والخيول وأمامهم وخلفهم الخدم بأيديهم العصى يطردون الناس عن طريقهم، ويظن الرائى لهم أنهم من أعيان الدولة، ويلبسون الأسلحة تخرج الطائفة منهم إلى الخلاء ويعملون لهم نشاناً يضربون عليه بالبنادق الرصاص.

ويقول فى موضع آخر: فى 17 رمضان 1225 هجرية قبض الباشا على المعلم غالى كبير المباشرين الأقباط والمعلم فلتيوس والمعلم جرجس الطويل والمعلم فرنسيس أخو المعلم غالى وباقى أعيان المباشرين.

ونزلوا بغالى وفلتيوس إلى بولاق ثم إلى مركب ليسافرا إلى دمياط وحبسوا الباقين فى القلعة وختموا على دورهم، وأعطوا المباشرة إلى المعلم منصور ضريمون الذى كان معلم ديوان الجمرك ببولاق سابقاً وبمشاركة من المعلم بشارة ورزق الله الصباغ، وأنزلوا النصارى المعتقلين من القلعة إلى بيت إبراهيم بك الدفتردار بالأزبكية.

وفى شهر شوال طلع غالى إلى القلعة وخلع عليه الباشا خلع الرضا وألبسه فروة سمور ونزّل له أربعة آلاف كيس من 2400 كيس مطلوبة للمصالحة.

وفى مقابل رواية الجبرتى، يقدم كلوت بك فى كتابه «لمحة عامة عن مصر» تفسيراً مغايراً لسيطرة الأقباط على مالية مصر، يقول: «يمتاز الأقباط بأهلية خاصة للقيام بأعمال الحساب على أنواعها وإمساك الدفاتر، وهذا هو السبب الذى جعل المماليك يتخذون منهم قوّامين على إدارة شئونهم.

ونجم عن تولى الأقباط مناصب إدارية أن توافرت لديهم وسائل الأخذ بالثأر من جرّاء ما لحق بهم من مظالم واضطهاد على أيدى المتسلطين (...) فإنه لما عهد إليهم مساحة الأرض وإدارة الأموال رأوا من استنامة الرؤساء إليهم واعتماد أرباب الأموال عليهم خير فرصة للغش والابتزاز، وكانوا يرتكبون هذه الجرائم غير مبالين بذمة ولا ضمير، لاعتبارهم أنفسهم أصحاب مصر الشرعيين وسادتها الحقيقيين، ونظروا إلى المسلمين بوصفهم الغزاة الغاصبين، وكانوا كلما اختلسوا الأموال الموكولة إلى عهدتهم، زعموا أنهم يستردون حقوقهم المسلوبة منهم».

كان مسئول الشئون المالية الأول فى النظام العثمانى هو «الدفتردار»، وكان السلطان هو من يصدر أمراً بتعيينه، وكان يشرف على «الروزمانة» التى يرأسها «الروزنامجى» ومهمته هو مسك سجل عائدات ومصروفات الخزينة اليومية، وأن يعد ملخصات شهرية وسنوية لكل من العائدات والمصروفات.

وحين كان المماليك يسيطرون على مصر، فقد وضعوا رجالهم فى هذا المنصب، وحوَّلوا أرصدة البلد إلى جيوبهم، وقد أعاد العثمانيون تنظيم الخزينة، وجعلوا من الدفتردار منصباً شرفياً، ونقلوا السلطة كلها على الأمور المالية لـ«الروزنامجى»، الذى لم يكن يتقاضى مرتباً، لكنه شغل المنصب «كما لو كان مزرعة حرامية» كما يقول عفاف لطفى السيد، وكان يعمل تحت أمره كتبة من الأقباط الصيارفة، وحين احتل الفرنسيون مصر وهرب المسئولون الأتراك، أصبح المعلم جرجس رئيس طائفة الصيارفة مديراً للخزينة.

وفى عهد محمد على عادت مهام الدفتردار من جديد، باعتباره المسئول الأول عن الشئون المالية، وبالذات بعد أن عيَّن السلطان العثمانى إبراهيم باشا ابن محمد على دفتردار على مصر عقب عودته من تركيا فى 1807، وظل إبراهيم باشا يشغل هذا المنصب لمدة 6 سنوات.

وبشكل عام فقد كانت الأمور المالية مشكلة رئيسية فى مصر، وكانت مهمة الروزنامجى أن يقدر الضرائب ويجمعها وأن يدفع مصروفات الدولة، وكانت كل الأموال التى تحصل من ضريبة الميرى تدفع إلى الروزنامة التى تتولى دفع المرتبات، وتحت حكم محمد على كان الفايظ يدفع إلى الملتزمين السابقين من الروزنامة، وقد عيّن محمد على سكرتيره الخاص المعلم غالى للإشراف على السجلات الضريبية، وأطلع غالى الوالى على وسائله الجديدة لفرض الضرائب على الأهالى وإثراء الخزينة.

ووقع الصدام بين غالى والوالى حينما أراد الأخير أن يفرض ضريبة جديدة على نخيل البلح.

عارض غالى هذا الإجراء بشدة، وتلقى إبراهيم باشا الذى كان منوطاً به تنظيم ومسح أراضى الوجه القبلى رسالة من والده يشير فيها إلى ضرورة تغيير موقف غالى، وإذا أصر على موقفه، فعليه أن يضرب رأسه «حتى لا تتعرض المصالح الخاصة بالحكومة للتفريط من خلال أفكار خاطئة».

ومن الواضح أن غالى لم يغير موقفه المعارض للضريبة ما دفع إبراهيم لإعدامه، وأخذ على عاتقه إعالة أبنائه وتعليمهم وتعيينهم فى وظائف حكومية، كما منحوا أراضى زراعية.

نعود إلى «بوغوص» وقد لاحظ المؤرخون أن محمد على وبرغم طبيعته المتشككة التى كانت تدفعه للتلصص حتى على أولاده ومراقبتهم، فقد منح محمد على ثقته المطلقة لباغوص وأطلق يده فى التصاريف المالية للدولة دون استئذان، وهو حق لم يحصل عليه أبناء محمد على أنفسهم، بل إنه عهد إليه بمراقبتهم مالياً وقيد حساباتهم فى دفاتره. كان بوغوص وحده هو المسموح له أن يسحب من الخزانة العامة إذا احتاج أموالاً لنفسه، فلم يكن يحصل على راتب، لكنه لم يستغل ذلك أبداً، وحين مات لم يجدوا فى بيته سوى 149 قطعة ذهبية من فئة الخمسة قروش، وجوهرة تزن 18 قيراطاً أهداها له محمد على، وإن رأى آخرون أن باغوص كانت لديه ثروة كبيرة من عمله بالتجارة، أنفق معظمها على أهله وبنى جلدته من الأرمن الذين استقدم كثيرين منهم للعمل فى مصر، وبحسب هؤلاء، فقد ترك 9 عقارات إلى جانب بيته الكبير بالإسكندرية، وقد أوصى بثروته لأخيه.

يصف نوبار باشا رئيس النظار لحظة وصوله إلى الإسكندرية عام 1842 ودخوله بيت خاله «بو غوص»...

سرنا من ميناء الإسكندرية حتى منزل خالى وسط ضوضاء وجموع من الناس يرتدون ثياباً رثة، ومر بنا ضباط جيش وموظفون مدنيون يمتطون جميعا ظهور خيولهم.

ولما وصلت إلى ساحة كبيرة دخلتها، فوجدت فى وسطها مبنى كبيراً، كان ذلك هو بيت خالى.

فى الداخل كان الخدم يذهبون ويجيئون فى حركة دائبة، كذلك كان أمراء السر والكتبة يعبرون الدهاليز صعوداً وهبوطاً على الدرجات ينتظرون دورهم لاستقبال خالى.

فى اليوم التالى قابلت خالى، كان يرتدى سروالاً من القطيفة السوداء وحزاماً من الحرير الدمشقى ومعطفاً أسود وعمامة بيضاء، وكانت ثيابه تبدو عليها النظافة الباهرة، رأسه يميل إلى الأمام، الوجه نحيف شاحب من التعب ونظرة قاتمة تكسو عينيه.

وبعد أن شرح لى باختصار المنتظر منى، اصطحبنى فى المساء إلى قصر رأس التين للقاء الوالى، وفى ساحة القصر كانت هناك مجموعة من المشاعل مثبتة فى الأرض، تنبعث منها الأضواء وأدخنة البخور، وفى أعلى الدرجات رأيت نجفة ضخمة تضىء دوراً مسحوراً شاسعاً، ومجموعة من الضباط والموظفين يحملون جميعاً الخناجر إلى جوانبهم، يختلط بهم الفراشون والعبيد السود وبعض من الأتراك والشراكسة.

وفى نهاية صالة كبيرة جميلة متناسقة تضيئها نجفة من الكريستال الأبيض، جلس رجل فى أحد أركانها على أريكة تكسوها أقمشة فاخرة منسوجة بخيوط من الذهب، كان ذلك الرجل هو محمد على شخصياً.

أسند ظهره إلى وسادة وكانت ركبتاه مثنيتين بشكل خفيف وخنجره فى متناول يده، يستمع إلى أحد أمناء سره يقرأ عليه البريد فى ضوء شمعدان مصنوع من الحديد الأبيض، ومن حوله وقف خمسة أو ستة من المماليك مضمومى الأذرع تبدو عليهم أمارات الخضوع.

أشار الوالى إلى خالى الذى استند إلى الأريكة بدلاً من الجلوس عليها، وبعد أن تبادلا بعض الكلمات، قال لى محمد على: اعمل حتى أراك وأنت تعمل.

كان موت باغوص درامياً إلى أبعد حد، فحين تولى عباس منصب كخيا مصر (المحافظ) ، قرر أن يعطيه راتباً ثابتاً وهو ما أغضب باغوص وجعله يشعر بالإهانة، وترك ذلك أثره على جسده النحيف فأخذ فى الهزال ورفض تناول الأدوية التى وصفها الطبيب وكأنه يستعجل ساعة موته إلى أن توفى بالفعل فى 1844.

وحين علم محمد على بأنه لم تقم له جنازة عسكرية بعث إلى عباس وقائد قواته بهذا الخطاب:

إلى نجلى المبجل جداً، إلى السيد المحظوظ اللواء عثمان باشا، إنك حمار، إنك غبى، كيف لا تصطحب أنت والقوات التى تحت إمرتك الرجل الذى أخلص لك وقام بتربيتك إلى مثواه الأخير؟

عندما يصلك هذا الأمر توجّه فى الحال أنت وكل الضباط فى حامية الإسكندرية إلى كنيسة الأرمن، وقم بإخراج جثمان باغوص ودفنه مرة أخرى فى جنازة عسكرية وتشريفة، وأحذرك أن تعصى الأمر.

لم يتم إعادة دفن الجثمان، لكن أقيم قداس مهيب حضره الضباط واصطف عسكر الحامية فى حديقة الكنيسة بكامل أسلحتهم.

ويعلق نوبار باشا على هذا الموقف بقوله:

اليوم أن تصطحب قوات مسلمة مسيحياً إلى مثواه الأخير، لا يمثل أى نوع من الدهشة، لكنه فى الحقيقة بالنسبة للفترة التى أتحدث عنها فالعكس هو الصحيح، فلم تكن شخصية كبيرة تجرؤ على مصافحة مسيحى فى الطريق العام، حتى لو كان صديقاً أقرب إليه من أقاربه، بأكثر من إيماءة بالعين أو حركة خفيفة بالرأس.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى هانى سلامة فى ندوة «المصري اليوم»: استخدام الدولة للقوة الناعمة أفضل من تجديد الخطاب الدينى