أخبار عاجلة

أراضى طرح النهر.. كنز «على بابا»

أراضى طرح النهر.. كنز «على بابا»
أراضى طرح النهر.. كنز «على بابا»

أين ذهبت هذه الثروة؟.. وكم تبقى من الـ 58 ألف فدان

أراضى طرح النهر، هى واحدة من أكثر الكنوز قيمة التى أهملتها الدولة طوال الأعوام الماضية، فأثرى من ورائها الكثيرون.

وحينما أفاقت الدولة وقررت مؤخرًا منع تعامل المحافظات عليها، وإسناد هذا الملف إلى لجنة استرداد أراضى الدولة برئاسة المهندس إبراهيم محلب، تبين أن حجم التعديات عليها كبير.

ففى ظل غيبة الدولة عن حمايتها زادت التعديات وأصبحت شاهدًا على فشل الدولة فى حماية هذا الكنز، الذى أكد الخبراء أنه لو حسن استغلاله لاستفادت مصر كلها منه أكبر فائدة، بدلًا من تركه نهبًا لبعض المنتفعين الذين حققوا من ورائه ثروات طائلة.. الغريب فى الأمر أن الحكومة لا تمتلك إحصاء دقيقا بمساحة هذه الأرض، التى كانت تقدر فى الخمسينيات بـ 58 ألف فدان، ولذلك فالعائد منها قليل ولا يتناسب مع حجمها وأهميتها وجودتها، فرغم أن هيئة التعمير حددت لها قيمة بدل انتفاع، إلا أن التعديات التى تتعرض لها هذه الأراضى طوال الأعوام الماضية جعلت فائدة الدولة منها لا تقارن بما تستفيده مافيا الأراضى منها.

وأراضى طرح النهر تعد واحدة من أجود الأراضى الزراعية لأنها تكونت بفعل تراكم الطمى منذ ما قبل التاريخ على جانبى النهر، وعلى الجزر المنتشرة به، ووفقًا للقانون رقم 116 لسنة 1983، والقانون رقم 2 لسنة 1985 فإنه يحظر البناء عليها أو تجريفها أو تبويرها، ومع ذلك لم توفر هذه القوانين لأراضى طرح النهر الحماية اللازمة، فظلت طوال الأعوام الماضية مطمعًا للجميع، فاستقطعوا مساحات كبيرة منها وأقاموا عليها فيلات، بل زادوا على ذلك وردموا أجزاء من النهر ذاته لتكون مرسى للنشاتهم، وهو ما حدث فى منطقة منيل شيحة بالجيزة، وفى 16 محافظة أخرى يمتد النيل فيها من أسوان جنوبًا، وحتى دمياط شمالًا.

وتختلف التعديات التى تعرضت لها أراضى طرح النهر فى محافظات مصر، ما بين بناء فيلات وقصور عليها، أو تحويلها إلى ملاهٍ وكافتيريات ونوادٍ أو قاعات أفراح.. والجميع شارك فى هذه التعديات حتى إن الحكومة نفسها كانت شريكًا فيها.

ورغم عدم وجود إحصاء دقيق بتحديد مساحة أراضى طرح النهر فى مصر، إلا أن الارقام تؤكد أنها كانت تقدر بـ 58 ألف فدان عام 1958، ولكن هذا الرقم تزايد على مر الأعوام الماضية نتيجة انحسار مياه النيل، ولكن توزيع مسئولية حماية النيل بين وزارات الرى والزراعة والبيئة أدى إلى ضياع المسئولية بينها وجعل النهر وأراضيه مرتعًا لكل من يريد التعدى عليه، حتى وصل عدد التعديات على هذه الأراضى إلى 22 ألف حالة لم تتم إزالة سوى 3300 حالة فقط.

ومن هذه التعديات 1200 مبنى سكنى لم يستطع أحد الاقتراب منها، إذ إن معظمها مملوك لرجال النظام السابق، الذين أقاموا قصورًا فارهة على النيل وعلى أراضى طرح النهر الذى يمنع القانون البناء عليها.

وإذا كان رب البيت بالدف ضاربًا، فالنتيجة معروفة، فإذا كانت الحكومة تتعدى على أراضى طرح النهر فما بالنا بما سيفعله الأفراد.. فوزارة الرى المنوط بها حماية النيل حتى 30 مترًا من خط المياه، قامت بالتعدى على النيل وإنشاء عدد من الأندية على النيل منها نادى الرى بالقليوبية.. كما أقامت قاعة أفراح على كورنيش النيل بحى غرب شبرا الخيمة، والتهمت 9 أندية تابعة لنقابات وجهات حكومية 19 ألف متر مربع من شاطئ النيل بمدينة بنها بالقليوبية، ورغم صدور العديد من قرارات الإزالة لها إلا أنه لم يتم تنفيذها.

وتعد محافظتا القاهرة والجيزة من أكثر المحافظات التى تشهد أراضى طرح النهر تعديات عليها، منها إقامة 108 برج سكنى بمنطقة المعصرة بحلوان، وإقامة فيلات للكبار على النيل بالجيزة.. ويكفى أن نذكر أن فترة الانفلات الأمنى فيما بعد الثورة شهدت التعدى على 100 فدان من أراضى طرح النهر تمت إقامة مبانى عليها.

ولأن دماء النيل موزعة بين 3 وزارات، فوزارة الرى مسئولة عن 30 مترًا من خط المياه، بعدها تصبح الأرض مسئولية هيئة التعمير بوزارة الزراعة، بالإضافة إلى دور وزارة البيئة فى حماية النهر، لذلك فكل من تسول له نفسه التعدى على النيل يفعل ولا يجد من يحاسبه، حتى أصبحت أراضى طرح النهر فريسة لمافيا الاستيلاء عليها وتحويلها إلى مشروعات سكنية أو استثمارية دون رقيب.

حتى أن النائب محمد عبدالله زين عضو البرلمان أكد أن التعديات على أراضى طرح النهر حرمت الدولة من 8.7 مليار جنيه قيمة حق الانتفاع بهذه الأراضى، مشيرًا إلى أن هيئة التعمير لم تتمكن من حصر هذه الأراضى، ولا توجد لديها سجلات للمنتفعين، ولم تتخذ أى إجراءات قانونية لتوفيق أوضاع المنتفعين بها منذ سنوات.

وكانت هيئة التعمير، قد حددت القيمة الإيجارية لهذه الأراضى عام 2015 بـ 4 آلاف جنيه للفدان المستغل فى زراعة الأشجار والفواكه، و3 آلاف للقيراط المستغل لزراعة نباتات الزينة، وهو ما دفع لجنة الزراعة بمجلس النواب لعقد اجتماع لمناقشة ارتفاع القيمة الإيجارية لأراضى طرح النهر.

ورغم أن الهيئة حددت مبلغ 300 جنيه كحق انتفاع سنوى للمتر المستغل فى المنشآت السياحية، و80 جنيهًا للمتر المستغل كمرسى لمراكب النزهة التى تهدف للربح، إلا أن خسائر الدولة بسبب عدم تحصيل هذه القيمة كانت كبيرة، لذلك قررت الحكومة نقل ملف هذه الأراضى للجنة استرداد أراضى الدولة، لتعظيم استفادة الدولة منها، خصوصًا أن تقارير هيئة التعمير والتنمية الزراعية أكدت أن أراضى طرح النهر يمكن أن تدر عائدًا على الدولة يقدر بالمليارات، إذا تم وضع آلية محددة للتعامل معها.

ولذلك قررت لجنة استرداد الأراضى مخاطبة المحافظات الـ 16 التى توجد بها أراضٍ طرح النهر للتأكيد على عدم التعامل عليها، أو تحصيل مقابل استغلالها إلا من خلال هيئة التعمير.

فيما طالب الدكتور محمد عصام الدين، أستاذ الأراضى والمياه بكلية الزراعة جامعة القاهرة، بضرورة توحيد جهة المسئولية عن هذه الأرض التى تعد من أجود الأراضى فى مصر؛ لأنها تكونت من طمى النيل وترسيباته، ومن ثم لا يجوز استخدامها فى غير أغراض الزراعة، وقد يجوز السماح ببعض المنشآت السياحية الخفيفة غير الملوثة للنهر، مؤكدًا ضرورة عدم السماح بالبناء عليها لجودتها وتربتها الطينية التى لا تصلح للبناء؛ وبالتالى تتم معالجتها، والحفر لأعماق بعيدة تضر بالتربة وبالنيل كله.

 

مستقبل الزراعة

من ناحية أخرى أكدت دراسة لوزارة الرى أن التعديات على النيل تهدد مستقبل الزراعة فى مصر لتأثيرها فى وصول مياه النيل إلى نهايات الترع، وتسببها فى حدوث اختناقات فى مجرى النيل والترع والمصارف بالمحافظات.

وحذرت الدراسة من أن استمرار مسلسل الفوضى الأمنية سيؤدى إلى زيادة معدلات التعديات وتأثيراتها السلبية على الإنتاج الزراعى والبيئة، وأنها ستؤدى إلى زيادة معدل الفجوة فى إنتاج المحاصيل الاستراتيجية مثل القمح والأرز، ومع ذلك ما زالت التعديات مستمرة، وهو ما دفع لجنة استرداد أراضى الدولة إلى تكليف الأمانة الفنية بمتابعة انتهاء المحافظات من حصر أراضى طرح النهر بها، إلا أن الأمانة لم تتلق سوى حصر 4 محافظات فقط من بين 16 محافظة، لتظل هذه الأراضى «كنز على بابا» الذى يحصل منه اللصوص على ما يريدون دون أن تعرف الدولة عنه شيئًا.

ويطالب الدكتور حسام شلبى، أستاذ الاقتصاد الزراعى بكلية الزراعة جامعة الأزهر، بضرورة توفير لحماية اللازمة لهذه الأراضى التى تعتبر من أجود الأراضى الزراعية التى تجود فيها زراعة معظم المحاصيل، ومنع البناء وكافة أشكال التعديات الأخرى عليها، فيكفى أننا خسرنا حوالى مليون فدان من الأراضى الزراعية الخصبة بسبب البناء عليها بعد الثورة، لذلك يجب المحافظة على أراضى طرح النهر وتخصيصها للزراعة لأنها لن تعوض.

 

عقوبات غير رادعة

يذكر أن المادة رقم 92 من القانون رقم 12 لسنة 84 المعروف بقانون الرى والصرف تعاقب من يتعدى على النهر بغرامة لا تقل عن 30 جنيهًا ولا تزيد على 200 جنيه، أما المادة 372 مكرر من قانون العقوبات رقم 34 لسنة 1984 فتعاقب من يتعدى على النيل بالحبس لمدة عام، ونتيجة لهذه العقوبات غير الرادعة زادت التعديات على مجرى النيل وأراضى طرح النهر حتى وصلت إلى ما يقرب من 30 ألف حالة تعدٍ بعد الثورة، تمت إزالة 18% منها فقط.

ويطالب الدكتور محمود السقا، أستاذ القانون بكلية الحقوق جامعة القاهرة، بضرورة تشديد عقوبة التعدى على أراضى طرح النهر لأنها جزء لا يتجزأ من نهر النيل، والتعدى عليها يعد استيلاء على أراضى الدولة.

وحمّل الدكتور السقا مسئولية هذه التعديات للمحليات التى يجب عليها أن تقوم على تنفيذ القانون، مشيرًا إلى ضرورة ألا تقتصر العقوبة على الغرامة فقط بل تشمل الحبس والغرامة والإزالة معًا، مؤكدًا أن الدولة أفاقت متأخرة لحماية النيل وأراضى طرح النهر، ولذلك يجب أن تكون العقوبة مشددة لمنع وقوع المزيد من التعديات.

 

 

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق اللجنة المركزية الصينية ترسل وفدا إلى مصر لتنظيم أسبوع ثقافى
التالى مستشفى الوراق المركزى.. يعلن عصيانه ضد الإهمال